اعجاز القران2

    شاطر
    avatar
    النعيمي
    مشرف
    مشرف

    ذكر
    عدد الرسائل : 166
    العمر : 31
    الموقع : http://hosamahmd.ahlamontada.net
    تاريخ التسجيل : 05/08/2008

    اعجاز القران2

    مُساهمة من طرف النعيمي في الإثنين 11 أغسطس 2008, 1:25 am

    وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ويحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول حجة ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته، وذلك أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره. ويبين ذلك أنه قال: عقيب هذا: " قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحُى إِلَيَّ"، فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي. ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: "إِنَّ الَّذينَ آمنَوُا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِ"، ومعناه الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة، ثم تصرف في هذا الاحتجاج على الوحدانية والقدرة إلى أن قال: "فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عادِ وثَمُودَ"، فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله، من قوم عاد وثمود في الدنيا.
    ثم توعدهم بأمر الآخرة فقال: "وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، إلى انتهاء ما ذكره فيه.. ثم رجع إلى ذكر القرآن فقال: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ".
    ثم أثنى بعد ذلك على ما تلقاه بالقبول، فقال: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوْا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الملائِكَةُ ألاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وَأَبشِروا". ثم قال: "وَإمَّا يَنْزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فاستعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ"، وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزغ الشيطان، ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه.
    ثم قال: "إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنَا"، إلى أن قال: "إَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لّمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَّ يَأَتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ".
    وهذا وإن كان متأولاً على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين، وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه من الأخبار عن العيوب، وعن الحوادث التي أبنّا أنها تقع في الثاني، فلا يخرج عن أن يكون متأولاً على ما يقتضيه نظام الخطاب، من أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة تقدح في معجزته، أو تعارضه في طريقه، وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته، وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه.
    ثم قال: "وَلَوْ جَعَلْنَاه قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ"، فأخبر أنه لو كان أعجمياً لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن خطابهم، وكانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه، وبأنهم لا يبين لهم وجه الإعجاز فيه، لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه وجبت الحجة عليهم به، على ما نبنيه في وجه هذا الفصل، إلى أن قال: " قُلْ أَرَأَيْتُم إن كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أضَلُّ مِمَّنْ هُوَ في شِقَاقِ بَعِيدٍ".
    ما ورد في سورتي غافر وفصلت
    له مثيل في سور أخرى
    والذي ذكرنا من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكرهنا سرد القول فيها، فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك.
    ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل: "وَقَالُواْ لَوْلاّ أُنْزِلَ عَليْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبينٌ، أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلى عَلَيهِم".
    فأخبر أن الكتاب آية من آياته، وعلم من أعلامه، وإن ذلك يكفي في الدلالة، ويقوم مقام معجزات غيره، وآيات سواء من الأنبياء صلوات الله عليهم، ويدل عليه قوله عز وجل: "تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ على عَبْدِهِ ليكونَ لِلعَالَمينَ نَذيراً" وقوله: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمُ عَلَى قَلْبِكَ، ويُمحُوْ اللَّهُ الْبَاطِلَ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلمَاتِهِ".
    فدل على أنه جعل قلبه مستودعاً لوحيه، ومستنزلاً لكتابه، وأنه لو شاء صرف ذلك إلى غيره، وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق وإبطال الباطل مع صرفه عنه.. ولذلك أشباه كثيرة، تدل على نحو الدلالة التي وصفناها.
    فبان بهذا وبنظائره ما قلناه من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى.
    الفرق بين القرآن والكتب المنزلة
    وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد، ووصف مضاف إليها، لأن نظمها ليس معجزاً، وإن كان ما يتضمنه من الأخبار عن الغيوب معجزاً.
    وليس كذلك القرآن، لأنه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم سبحانه وتعالى، لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه.
    وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله وإن اختلف الحال في ذلك من بعض الوجود، لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل، وأسمعه نفسه متكلماً، وليس كذلك الواحد منا، وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل، والذي نرومه الآن ما بينا من اتفاقهما في المعنى الذي وصفنا، وهو أنه عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ما نقرأه من هذا على جهة الاستدلال.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 15 نوفمبر 2018, 7:30 pm